تحديات عام 2026 كفرصة
12.01.2026يبدأ عام 2026 في ظل تداخل التوترات الجيوسياسية والاضطرابات الاقتصادية. تواصل الولايات المتحدة استخدام العقوبات كأداة من أدوات سياستها الخارجية، مما ينعكس على علاقاتها مع دول مثل فنزويلا وإيران، كما يؤثر بشكل غير مباشر على صربيا عبر قطاعها النفطي. غير أن هذه التحديات تحمل أيضًا فرصًا غير متوقعة: ففي مجالي الطاقة والتجارة، تظهر أسواق وتحالفات جديدة قد تحول الأزمة إلى فرصة خلال عام 2026.
الولايات المتحدة: العقوبات واستراتيجية الطاقة
خلال السنوات الأخيرة، فرضت واشنطن عقوبات على ثلاثة من كبار منتجي الطاقة—روسيا وإيران وفنزويلا—في محاولة لحرمانهم من العائدات المرتبطة بـ«أنشطة غير مرغوب فيها». وبفضل النمو المتزايد في الإنتاج المحلي من النفط والغاز، أصبحت الولايات المتحدة لاعبًا أكثر تأثيرًا في سوق الطاقة العالمية، مما شجعها على استخدام العقوبات بجرأة أكبر، مع السعي إلى معايرتها بدقة لتفادي حدوث ارتفاع عالمي حاد في الأسعار.
ومع ذلك، فإن لهذه الإجراءات كلفة؛ إذ تؤدي إلى إعادة توجيه التدفقات التجارية وظهور ما يُعرف بـ«أسطول الظل»—وهو شبكة من ناقلات النفط التي تُخفي مصدر النفط الخاضع للعقوبات، ما يسمح باستمرار صادرات إيران وفنزويلا وحتى روسيا رغم القيود. وقد أصبحت الصين المشتري النهائي الرئيسي لهذه الشحنات الملتفّة على العقوبات، حيث تستورد النفط الروسي علنًا، بينما تشتري النفط الإيراني والفنزويلي بشكل أكثر سرية عبر وسطاء.
توقعات 2026:
يدخل الاقتصاد الأمريكي والشركات الأمريكية العام الجديد في وضع قوي نسبيًا بفضل ارتفاع الإنتاج المحلي من النفط ومكانة البلاد كمُصدّر للغاز الطبيعي. ويمنح ذلك شركات الطاقة الأمريكية فرصة لملء الفجوات في السوق، مثل زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا أو المشاركة في إعادة تأهيل محتملة لقطاع النفط الفنزويلي. ويتمثل التحدي الرئيسي في تحقيق التوازن بين ضغط العقوبات واستقرار السوق؛ فالتشدد المفرط قد يدفع الدول الخاضعة للعقوبات إلى التكتل بشكل أوثق مع الصين وقوى أخرى، بينما قد يؤدي تخفيف العقوبات دون تنازلات سياسية إلى تقليص النفوذ الأمريكي. لذلك، من المتوقع أن تواصل واشنطن في عام 2026 معايرة عقوباتها بعناية، مستهدفة خصومها دون التسبب في اضطرابات حادة في إمدادات النفط العالمية.
فنزويلا: طريق العودة إلى الساحة العالمية
ألحقت العقوبات الأمريكية الطويلة الأمد أضرارًا جسيمة بفنزويلا—فمنذ عام 2019، أصبح تصدير النفط من قبل شركة النفط الوطنية PDVSA إلى السوق المفتوحة شبه مستحيل. إلا أن تحولًا طرأ في أواخر عام 2023، حين خففت الإدارة الأمريكية القيود مؤقتًا ومنحت كاراكاس ترخيصًا لمدة ستة أشهر يسمح لها بإنتاج وبيع النفط بحرية في السوق العالمية.
وجاء هذا القرار كمكافأة للاتفاق بين الحكومة والمعارضة على إجراء انتخابات عام 2024 تحت إشراف دولي، وهو أكبر تخفيف للعقوبات منذ سياسة «الضغط الأقصى» في عهد ترامب. غير أن هذا الترخيص مشروط؛ إذ يمكن إعادة فرض العقوبات فورًا إذا لم يلتزم نظام الرئيس نيكولاس مادورو بتعهداته، مثل رفع القيود عن مرشحي المعارضة والإفراج عن السجناء السياسيين.
في الوقت الحالي، تدعو فنزويلا الشركات الأجنبية إلى الاستثمار بتفاؤل، مؤكدة أن «الأبواب مفتوحة بالكامل» أمام المستثمرين بعد الرفع الجزئي للعقوبات. وفي الوقت نفسه، يعزز مادورو علاقاته مع الحلفاء؛ فقد وقّعت فنزويلا وإيران بالفعل اتفاقية تعاون لمدة 20 عامًا في قطاعات النفط والبتروكيماويات والدفاع. ومنذ عام 2020، ترسل طهران الوقود وقطع غيار المصافي إلى فنزويلا، ما ساعد على الحفاظ على حد أدنى من الإنتاج رغم الحصار الأمريكي.
توقعات 2026:
إذا أُجريت الانتخابات الموعودة وتحسنت العلاقات مع واشنطن، فقد تشهد فنزويلا عودة تدريجية للأعمال الدولية في عام 2026. وقد سمحت العقوبات المخففة بالفعل لشركات نفط غربية بزيادة أنشطتها—فعلى سبيل المثال، استأنفت شركة شيفرون جزءًا من عمليات ضخ النفط للتصدير. ويمثل ذلك فرصة لتعافي الاقتصاد بعد سنوات من العزلة.
مع ذلك، تبقى التحديات هائلة؛ فالبنية التحتية النفطية مدمَّرة نتيجة عقدين من سوء الإدارة ونقص الاستثمارات، وحتى في حال رفع العقوبات، لن تتمكن فنزويلا من زيادة الإنتاج بسرعة دون استثمارات كبيرة ودعم تكنولوجي. كما تستمر حالة عدم اليقين السياسي—فأي تراجع عن الاتفاقات مع المعارضة قد يؤدي إلى عودة العقوبات القديمة وإحباط المستثمرين. وعليه، سيكون عام 2026 بالنسبة لفنزويلا موازنة دقيقة بين فرصة لبداية جديدة وخطر العودة إلى العزلة.
إيران: ضغط العقوبات والتحايل على القواعد
على عكس فنزويلا، تدخل العلاقات بين طهران وواشنطن عام 2026 دون مؤشرات على تحسن. فالعقوبات الأمريكية، التي اشتدت بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، ما زالت تضرب الاقتصاد الإيراني من قطاع النفط إلى القطاع المالي. ورغم أن إيران معزولة اسميًا عن سوق النفط العالمية، فإنها وجدت طرقًا لمواصلة البيع؛ إذ بلغت صادرات النفط الإيراني أعلى مستوى لها منذ سبع سنوات في عام 2023، ويرجع ذلك أساسًا إلى زيادة الشحنات إلى الصين.
ومن خلال شبكة من الوسطاء وناقلات «شبحية» وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى، تنجح طهران في تسويق كميات كبيرة من النفط رغم العقوبات الأمريكية. وتحاول واشنطن كبح ذلك عبر ما يُعرف بالعقوبات الثانوية، حيث تعاقب الشركات الصينية التي تساعد التجارة الإيرانية. وفي أكتوبر 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مصفاة مستقلة ومحطة نفطية في الصين بسبب شراء ملايين البراميل من النفط الإيراني «تحت الطاولة».
وفي الوقت ذاته، تزيد التوترات الإقليمية من تعقيد المشهد؛ فدعم إيران لمنظمات مثل حزب الله اللبناني وتورطها في نزاعات (مثل الحرب الأخيرة بين حماس وإسرائيل) يبقي الشرق الأوسط في حالة عدم استقرار وتحت مراقبة واشنطن. وكل ذلك يعني أن تخفيفًا جوهريًا للعقوبات عن طهران غير مطروح ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل جديد—سواء بشأن البرنامج النووي أو الأمن الإقليمي.
توقعات 2026:
سيواصل الاقتصاد الإيراني الاعتماد على الأسواق الشرقية ووسائل التحايل الإبداعية للبقاء تحت وطأة العقوبات. فمن جهة، يظل الطلب العالمي على النفط مرتفعًا، ما يوفر لإيران تدفقات من العملات الصعبة عبر قنوات بيع غير رسمية—وهي فرصة للحفاظ على الإيرادات وتمويل الإنفاق الحكومي. وحتى مسؤولون أمريكيون يعترفون بأنهم يودون رؤية تعافٍ للاقتصاد الإيراني «لكن دون سلاح نووي»، ما يلمح إلى إمكانية الحوار إذا قدمت طهران تنازلات.
ومن جهة أخرى، تبقى التحديات جسيمة: فالعقوبات تردع معظم المستثمرين الغربيين، والتكنولوجيا تتقادم، فيما تضغط معدلات التضخم والبطالة على السكان. وفي عام 2026، ستواجه إيران معضلة—إما الاستمرار في تحدي الضغوط عبر الشراكات الشرقية والمخاطرة بمزيد من العزلة، أو فتح الباب أمام تخفيف جزئي للعقوبات من خلال تنازلات محدودة. وفي جميع الأحوال، سيظل مناخ الأعمال محفوفًا بالمخاطر، وقد يؤدي أي حدث جيوسياسي مفاجئ (مثل تصعيد إقليمي) إلى زيادة الضغوط على طهران.
صربيا وNIS: بين الشرق والغرب
محطة وقود تابعة لشركة NIS في بانشيفو، صربيا (أكتوبر 2025). وقد أثّرت العقوبات الأمريكية الموجهة إلى قطاع الطاقة الروسي بشكل غير مباشر على صربيا عبر شركة NIS، المملوكة بالأغلبية لشركة غازبروم نفط الروسية.
بالنسبة لصربيا، بلغت الاضطرابات الجيوسياسية ذروتها بضربة اقتصادية غير متوقعة: فقد وجدت شركة صناعة النفط الصربية (NIS) نفسها تحت وطأة العقوبات الأمريكية بسبب الملكية الروسية. وتُعد NIS أكبر شركة طاقة في البلاد، وهي مملوكة بالأغلبية لشركة غازبروم نفط الروسية (نحو 56% مباشرة وعبر شركات مرتبطة).
ورغم سعي صربيا الاسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإنها رفضت فرض عقوبات على روسيا بعد أزمة أوكرانيا عام 2022—جزئيًا بسبب اعتمادها شبه الكامل على الغاز والنفط الروسيين. ونتيجة لذلك، عندما وسّعت الولايات المتحدة عقوباتها على قطاع الطاقة الروسي مطلع عام 2025، أُدرجت NIS على القائمة. وقد أخّرت واشنطن التنفيذ الكامل للعقوبات لأشهر، مانحة صربيا وقتًا للتحرك، لكن العقوبات دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
وكانت العواقب فورية: توقفت البنوك الدولية عن تنفيذ المدفوعات لصالح NIS، وعلّق خط الأنابيب الكرواتي JANAF إمدادات النفط الخام إلى مصفاة بانشيفو. وحذر الرئيس ألكسندر فوتشيتش من أن المصفاة ستتوقف عن العمل وأن البلاد ستواجه نقصًا في الوقود إذا لم يتم التوصل إلى حل سريع، قائلًا: «عندما تفرضون عقوبات على الشركات الروسية، فإنها تصيب بلدنا أيضًا». وقدّر أن الاحتياطيات الوطنية من المشتقات النفطية تكفي لبضعة أشهر فقط من الاستهلاك الطبيعي.
ولتفادي أسوأ السيناريوهات، بدأت الحكومة الصربية عملية عاجلة لإعادة هيكلة ملكية NIS. وكان المطلب الأمريكي واضحًا: انسحاب كامل لرأس المال الروسي من الشركة. وحدد فوتشيتش مهلة 50 يومًا (ابتداءً من نوفمبر 2025) لبيع الحصة الروسية، وإلا فإن الدولة ستتولى السيطرة التشغيلية وقد تقدم على شراء الحصة الروسية. ووضعت NIS المصفاة في حالة «الاستعداد الساخن»—إيقاف مؤقت مع إمكانية إعادة التشغيل السريع فور تأمين مورد جديد للنفط. وخلال فصل الشتاء، سعت صربيا بشكل عاجل إلى موردين بديلين للنفط الخام والوقود، معتمدة أيضًا على زيادة الواردات لتجنب النقص.
توقعات 2026:
تمثل قضية NIS نقطة تحول وفرصة في آن واحد لصربيا. فإذا تم بيع الحصة الروسية بنجاح (لمستثمرين محليين أو غربيين) ورفع اسم NIS من قائمة العقوبات، يمكن لصربيا استقرار الإمدادات وتجنب أزمة طاقة. وعلى المدى الطويل، قد يفتح ذلك الباب أمام تحديث المصفاة بالتعاون مع شركاء غربيين وتقليل الاعتماد على مصدر واحد. كما أن تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة قد يجلب استثمارات في مصادر الطاقة المتجددة وقدرات التخزين.
غير أن التحديات كبيرة: فالعثور على مشترٍ للحصة الروسية تحت ضغط سياسي وقيود زمنية صارمة (فبراير 2026) أمر بالغ الصعوبة، وأي تأخير يزيد من خطر نقص الوقود والانهيار المالي للشركة. وحتى بعد تغيير الملكية، ستواجه NIS حالة من عدم اليقين السوقي—إذ يتطلب تنويع مصادر النفط استيراد أنواع أغلى أو الاستثمار في البنية اللوجستية. إضافة إلى ذلك، سيتعين على صربيا البحث سريعًا عن بدائل للغاز الروسي على المدى الطويل، لأن اعتمادها شبه الكامل على خط أنابيب «ترك ستريم» يجعل البلاد عرضة للمخاطر. وفي عام 2026، يصبح التوازن بين الشرق والغرب ضرورة لصربيا: فمآل قضية NIS سيحدد ما إذا كانت العقوبات ستتحول إلى فرصة لتحول طاقي، أم إلى أزمة طويلة الأمد تثقل كاهل بيئة الأعمال في البلاد.
الخلاصة
على الصعيد العالمي، تُظهر العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران وصربيا (من خلال NIS) كيف أن الجغرافيا السياسية والاقتصاد متشابكان بشكل لا ينفصم في مطلع عام 2026. فقد خلقت العقوبات، كأداة من أدوات القوة، تحالفات جديدة: تقاربت طهران وكاراكاس من بعضهما البعض (ومن بكين) بحثًا عن مخرج من العزلة، بينما وجدت بلغراد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف مسارها الطاقي تحت الضغط عبر الأطلسي.
ومع ذلك، تلوح فرص في خضم هذه التحديات. ففنزويلا تحصل على فرصة للتعافي الاقتصادي عبر انفتاح مدروس على العالم، وإيران تحافظ على نبضها المالي من خلال بيع النفط للأسواق الآسيوية المتعطشة للطاقة، وصربيا تستطيع تعزيز أمنها الطاقي على المدى الطويل عبر التنويع. أما الولايات المتحدة، فسيكون عام 2026 اختبارًا لقدرتها على إثبات أن العقوبات الاستراتيجية يمكن أن تحقق أهدافًا سياسية دون إلحاق ضرر اقتصادي دائم بالنظام العالمي. وسيواجه كل طرف اختبارًا للقدرة على الصمود—إلى جانب فرصة لتحويل التحديات إلى فرص، سواء عبر تغيير المسار أو تعزيز الموقع في الفسيفساء الجديدة للعلاقات الدولية.
المصادر: الجزيرة، رويترز، المجلس الأطلسي
/ / /
"Standard Prva" LLC Bijeljina هي شركة مسجلة في بييلينا في المحكمة التجارية في بييلينا. تشمل أنشطة الشركة المحاسبة وشراء الديون واستثمار رأس المال وخدمات أخرى ذات صلة. تعتبر الديون المتعثرة جزءًا من المجموعة التي تقوم فيها الشركة بشراء الديون التي تعمل ولم تعود بانتظام. مكتب المحاماة Stevanović هو المكتب الرائد للمحاماة في المنطقة مع مقر في بييلينا. تعبر اختصار LO عن مكتب محاماة Vesna Stevanović ومكتب محاماة Miloš Stevanović. للاتصال: press@advokati-stevanovic.com أو عبر الهاتف 00387 55 22 4444 أو 00 387 55 230 000.




