عمود بقلم ميلوش ستيفانوفيتش: النظام العالمي الجديد – بداية نظام جديد أم الانهيار النهائي للنظام القديم؟
26.01.2026العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد يشبه العالم الذي كنا نعرفه قبل عشر أو خمس عشرة سنة فقط. القواعد التي كانت تُعدّ لعقود غير قابلة للنقاش – من القانون الدولي، مرورًا بالتجارة الحرة، وصولًا إلى دور المؤسسات العالمية – يتم اليوم التشكيك فيها، وانتهاكها، أو الالتفاف عليها. الحديث عن «نظام عالمي جديد» لم يعد نقاشًا نظريًا يقتصر على الأوساط الأكاديمية، بل أصبح واقعًا سياسيًا واقتصاديًا يوميًا.
لكن السؤال الجوهري هو: هل نشهد ولادة نظام جديد، أم أننا فقط في مرحلة التفكك الفوضوي للنظام القديم، من دون رؤية واضحة لما سيأتي بعده؟
نهاية وهم الاستقرار
بعد نهاية الحرب الباردة، تولّد انطباع بأن التاريخ، بالمعنى السياسي، قد وجد شكله النهائي. أُعلنت الديمقراطية الليبرالية، والعولمة، والنموذج الاقتصادي الغربي كحل عالمي شامل. وكان من المفترض أن تكون المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، ضامنة للاستقرار، وقابلية التنبؤ، والقواعد المشتركة، إلا أن هذا أصبح اليوم أقل فأقل. وكان مثالًا نموذجيًا على ذلك تشكيل مجلس السلام، الذي تم الترويج له مؤخرًا في دافوس في يناير/كانون الثاني 2026.
اليوم، اختفى هذا الوهم. تُخاض الحروب على الأراضي الأوروبية، وتطعن القوى العالمية علنًا في النظام القائم، وتُطبّق القواعد بشكل انتقائي – تبعًا لمصالح من يمتلكون القوة. النظام القديم لم يعد يعمل، لكن النظام الجديد لم يتشكل بعد بشكل كامل.
عالم متعدد الأقطاب – واقع لا خيار
إحدى السمات الأساسية للعصر الجديد هي نهاية العالم أحادي القطب. إن هيمنة قوة واحدة، كما شهدناها في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أصبحت غير ممكنة. وبدلًا من ذلك، ندخل نظامًا متعدد الأقطاب تشكّل فيه عدة مراكز كبرى للقوة – الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الهند، وقوى صاعدة أخرى – المسارات العالمية في الوقت نفسه.
هذا النموذج بحد ذاته ليس جيدًا ولا سيئًا. المشكلة تظهر عندما لا تكون التعددية القطبية مصحوبة بقواعد واضحة للعبة. فبدلًا من التوازن، نحصل على أزمات دائمة، وتضارب في المصالح، ومنافسة من دون آليات للضبط. يصبح العالم ساحة دائمة لعدم اليقين.
انتقال القوة – من السياسة إلى الاقتصاد والتكنولوجيا
على عكس الحقب السابقة، لا يتحدد النظام الحالي حصريًا بالقوة العسكرية. فالقوة الأساسية أصبحت تكمن بشكل متزايد في الاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، والسيطرة على البيانات. الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، وسلاسل التوريد، والأسواق المالية، وموارد الطاقة، أصبحت ساحات قتال جديدة. وبدأت البنوك تلعب وفق قواعد جديدة تمامًا على المستوى العالمي.
الدول التي لا تفهم هذا التحول تخاطر بالبقاء مهمشة بشكل دائم. النظام العالمي الجديد لا يكافئ فقط القوى التي تمتلك جيوشًا كبيرة، بل تلك التي تمتلك المعرفة، ورأس المال، والابتكار، والقدرة على التكيف السريع. للأسف، فإن دول البلقان التي نعيش فيها لا تواكب الاتجاهات الجديدة تقريبًا على الإطلاق. وبالحديث عن البوسنة والهرسك وكياناتها، لا يوجد أي اتجاه للحركة ينسجم مع السياسات العالمية الجديدة. تختزل القصة السياسية بالكامل في الترويج لأفراد وسياساتهم التي تركز حصريًا على الأمور والصراعات الشخصية: إما مع سياسيين آخرين أو مع الذات نفسها (وهو ما يظهر كثيرًا).
في البوسنة والهرسك، وهو ما ينطبق على الكيانين معًا، نشهد مثلًا من الناحية الطاقوية انهيارًا متزايدًا لقطاع الطاقة، الذي أظهر أنه ضعيف وفي حالة سيئة جدًا، على الرغم من عرض استثمارات بملايين خلال العقود الماضية.
ضعف المؤسسات وعودة «السياسة الخام»
تبدو المؤسسات الدولية، كما نعرفها، اليوم منهكة وغالبًا عاجزة. يتم التشكيك في شرعيتها، وتتراجع قدرتها على فرض القرارات. وبدلًا من التعددية، يعود العالم إلى الاتفاقيات الثنائية، والتحالفات الإقليمية، والائتلافات المؤقتة.
وهذا يعني عودة «السياسة الخام القائمة على المصالح»، حيث تتراجع الأخلاق، والقيم العالمية، والمبادئ المشتركة أمام قرارات براغماتية وغالبًا قصيرة الأمد. في مثل هذا المناخ، تواجه الدول الصغيرة والمتوسطة تحديات خاصة – إذ يتعين عليها أن تتعلم كيف توازن، وتفاوض، وتبقى بين اللاعبين الكبار.
نظام جديد بلا أيديولوجيا
على عكس القرن الماضي، فإن صراعات اليوم ليست أيديولوجية خالصة. لا تدور المعركة بين أنظمة محددة بوضوح، بل بين مصالح، ونماذج حكم، ورؤى مختلفة للمستقبل. وهذا يجعل النظام الجديد أكثر غموضًا، ولكنه أيضًا أكثر خطورة – لأنه لا يوجد إطار موحد يحد من تصعيد النزاعات.
يدخل العالم مرحلة لم يعد فيها الاستقرار أمرًا مفروغًا منه، بل شيئًا يجب بناؤه باستمرار من جديد.
الخلاصة: مرحلة انتقالية لا إجابة نهائية
لم يكتمل النظام العالمي الجديد بعد. نحن في فترة انتقالية – بين نظام يتفكك ونظام لا يزال يبحث عن شكله. هذا ليس انهيارًا نهائيًا، لكنه نهاية دورة طويلة.
بالنسبة للدول، والشركات، والأفراد، فالرسالة واضحة: القواعد القديمة لم تعد تنطبق بالكامل، والجديدة لم تُكتب بعد. في مثل هذا العالم، يبقى من يفهم التغيرات، ويفكر استراتيجيًا، ولا ينتظر أن يُفرض عليه المستقبل.
لم يعد السؤال ما إذا كان نظام عالمي جديد قادمًا. إنه موجود بالفعل. السؤال الحقيقي هو: من سيكون له صوت فيه، ومن سيكون مجرد مراقب؟
الكاتب محامٍ ورئيس مجلس الرقابة لمجموعة StandardPrva. وهو عضو في تشاتام هاوس والمجموعة الصربية للجنة الثلاثية.
/ / /
"Standard Prva" LLC Bijeljina هي شركة مسجلة في بييلينا في المحكمة التجارية في بييلينا. تشمل أنشطة الشركة المحاسبة وشراء الديون واستثمار رأس المال وخدمات أخرى ذات صلة. تعتبر الديون المتعثرة جزءًا من المجموعة التي تقوم فيها الشركة بشراء الديون التي تعمل ولم تعود بانتظام. مكتب المحاماة Stevanović هو المكتب الرائد للمحاماة في المنطقة مع مقر في بييلينا. تعبر اختصار LO عن مكتب محاماة Vesna Stevanović ومكتب محاماة Miloš Stevanović. للاتصال: press@advokati-stevanovic.com أو عبر الهاتف 00387 55 22 4444 أو 00 387 55 230 000.




